محمد بن جرير الطبري
126
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
استسلم له وانقاد لأمره ، فكذلك قوله : وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ إنما هو : ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحا منهم لكم وسلما . ومن السلم قول الطرماح : وذاك أن تميما غادرت سلما * للأسد كل حصان وعثة اللبد يعني بقوله سلما : استسلاما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ قال : الصلح . وأما قوله : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا فإنه يقول : إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتهم صلحا منهم لكم ، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا : أي فلم يجعل الله لكم على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم طريقا إلى قتل أو سباء أو غنيمة ، بإباحة منه ذلك لكم ولا إذن ، فلا تعرضوا لهم في ذلك إلا سبيل خير . ثم نسخ الله جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله تعالى ذكره : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلى قوله : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ذكر من قال في ذلك مثل الذي قلنا : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة والحسن ، قالا : قال : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ إلى قوله : وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً . وقال في الممتحنة : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة : وقال فيها : إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ إلى : فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الممتحنة : . فنسخ هؤلاء الآيات الأربعة في شأن قتال المشركين ، فقال : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ التوبة : فحمل لهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض ، وأبطل ما كان قبل ذلك . وقال في التي تليها : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ التوبة : ثم نسخ واستثنى فقال : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ إلى قوله : ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ التوبة : ، ، . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ قتال المشركين قال : نسختها : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ التوبة : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا همام بن يحيى ، قال : سمعت قتادة يقول في قوله : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ إلى قوله : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ثم نسخ ذلك بعد في براءة ، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل قتال المشركين بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ التوبة : . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قتال المشركين الآية ، قال : نسخ هذا كله أجمع ، نسخه الجهاد ، ضرب لهم أجل أربعة أشهر ، إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد ، ، . القول في تأويل قوله تعالى : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها وهؤلاء فريق آخر من المنافقين كانوا يظهرون الإسلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليأمنوا به عندهم من القتل والسباء وأخذ الأموال وهم كفار ، يعلم ذلك منهم قومهم ، إذا لقوهم كانوا معهم وعبدوا ما يبعدونه من دون الله ليأمنوهم على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم ، يقول الله : كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها يعني : كلما دعاهم إلى الشرك بالله ارتدوا فصاروا مشركين مثلهم . واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم الله به من التقية وهم كفار ، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم